تاريخ النشر: الأحد ١٨ - آب - ٢٠١٩
Post Image

يسأل الأطفال عادةً أسئلة طفولية تجعلنا في كثير من الأحيان نضحك لبراءتهم، وأحيانا أخرى يسألون أسئلةً مربكة تجعلنا نعجب من ذكائهم وفطنتهم، أما اليوم وفي ظل هذه الظروف، فإنهم يوجهون لنا أسئلة تجعلنا نتكدر حزناً وألماً على حالهم. فحفيدتي ذات الخمسة أعوام عندما تريد الخروج للعب أرتبك فعلاً وأنا أخبرها بأن الطيارة قد تقصف المكان، فترد علي قائلةً: "نحن ماذا فعلنا للطيار حتى يقصفنا؟ لماذا كل الذين يقصفهم من الأطفال؟"، يزداد ارتباكي هنا، كيف سأرد على سؤالها؟، تتوجه فوراً نحو القبضة اللاسلكية وتشغلها لتعرف أين ستقصف الطائرة ولتتأكد بنفسها هل الوقت فعلاً غير مناسب للخروج، أحياناً تبكي عندما تمنع من الخروج، وأحياناً تجلس صامتة وكأنها استسلمت لحقيقة أن هذا الطيار لربما يستهدفها وهي ترتكب جريمة اللعب، وعندما تخرج مع والدها للعب لمدة قصيرة قد لا تتجاوز العشر دقائق أبقى جالسة على أعصابي حتى يعودان.

في بعض الأحيان يتصرف أحفادي ككل الأطفال ببراءة شديدة، وأحياناً أخرى يتصرفون بنضج ووعي إنسان بالغ، فعادة عند القصف يركضون ليختبئوا وراء الباب أو تحت الأريكة ظناً منهم أنه في هذا المكان لن يتمكن الطيار من رؤيتهم. أما خلال الضربة الأخيرة على معرة النعمان كنت أشرب القهوة وهم يجلسون بالقرب مني، كنت فرحة يومها بخلو السماء من الطيران وفجأة وعند ضربة الطائرة وقفت خائفة حضنت أحفادي وتوجهت نحو المطبخ فجدرانه أكثر سماكة من باقي جدران البيت، كانت وجوههم صفراء جداً، قلت لهم "لا تخافوا... لا تخافوا"، فردت حفيدتي لتحاول طمأنتي، نحن لسنا خائفين أنت الخائفة، فجأة أحسست بيد حفيدي ذي الثلاث سنوات ونصف تضمني ليقول لي ولأخته في محاولة منه لطمأنتنا "هاذا صوت رياح قوي مو ثاروخ".
بعد ذلك اليوم الدامي وأخبار القصف والشهداء والجرحى، رأيت حفيدتي تحمل دميتها ولكن نزعت منها رجلها، فقلت لها لماذا فعلتي ذلك؟، فأجابتني "لقد أصيبت دميتي بالقصف اليوم والآن أخرجتها من المشفى". ما كنت أتمنى يوماً أن تحمل خيالات أطفالنا كل هذا الألم.

تسألني حفيدتي باستمرار هل نجهز نفسنا للعيد القادم أم أننا سنؤجله كما أجلنا العيد السابق؟، أحتار مجدداً، هل أخبرها نعم سيأتي العيد ويحمل الفرح والألعاب والحلوى وقد لا أستطيع الوفاء بعهدي هذا، أم أخبرها أننا ربما سنضطر لتأجيل هذا العيد أيضاً وأقضي على حقها وأملها بفرحة العيد، أخبرتها بعد تردد أن العيد سيأتي، ولكم أتمنى أن يأتي فعلاً.

الشهادة من السيدة إسعاف الرشيد Issaaf Alrashid من معرة النعمان.
الصورة لأحفاد السيدة إسعاف الرشيد خلال نزهة في مدينة معرة النعمان.

إلى الأعلى